سهيل زكار

716

تاريخ دمشق

وأقاموا إلى ثاني يوم من رمضان ، وكان يوما كثير الضباب ، فما أحس بهم أهل الطور إلا وهم عند الباب قد ألصقوا رماحهم بالسور ، ففتح المسلمون الباب وخرج إليهم الفارس والراجل ، وقاتلوهم حتى رموهم إلى قسوم أسفل الطور ، فلما كان يوم الثلاثاء رابع رمضان طلعوا بأسرهم ، ومعهم سلم عظيم ، فرجعوا من ناحية باب دمشق ، وألصقوا السلم بالسور ، فقاتلهم المسلمون قتالا لم يجر في الإسلام مثله ، ودخلت رماح الفرنج من المرامي من كل ناحية ، فضرب بعض الزراقين السلم بالنفط فأحرقه ، وقتل عنده جماعة من أعيان الفرنج منهم كند كبير فلما رأوه مقتولا صاحوا وبكوا وكسروا رماحهم ، واستشهد في ذلك اليوم من أبطال المسلمين بدر الدين محمد بن أبي القاسم ، وسيف الدين ابن المزربان ، وكان من الصالحين الأجواد ، وأغلق المسلمون باب الطور وجبن جماعة منهم عن القتال ، وبات الناس عشية الأربعاء يداوون جراحاتهم ، وضربوا مشورة ، واتفقوا على أنهم يقاتلون قتال الموت لا يسلمون أنفسهم لئلا يجري عليهم ما جرى على أهل عكا ، وكان في الطور أبطال المسلمين وخيار عسكر الشام ، وقال الأمير الحلبي في تلك الوقعة هذين البيتين : قل للخليفة لا زالت عساكره * لها إلى النصر إصدار وإيراد إن الفرنج بحصن الطور قد نزلوا * لا تغفلن فحصن الطور بغداد وأنشدني إياها الأمير الحلبي ، وبات الناس على عزم القتال ، وأوقد الفرنج حول الطور النيران ، فلما كان وقت السحر يوم الخميس سادس رمضان رحلوا طالبين عكا ، وجاء المعظم وصعد الطور ، وبكى على بدر الدين بن أبي القاسم ، وابن المرزبان ، ومن قتل ، وأطلق المال والخلع ، وطيب قلوب الناس ، ثم اتفق العادل ، والمعظم على خراب الطور في السنة الآتية وسنذكره .